عثمان بن جني ( ابن جني )

366

الخصائص

باب في شواذ الهمز وذلك في كلامهم على ضربين ، وكلاهما غير مقيس . أحدهما أن تقرّ الهمزة الواجب تغييرها ، فلا تغيّرها . والآخر أن ترتجل همزا لا أصل له ، ولا قياس يعضده . الأوّل من هذين ما حكاه عنهم أبو زيد وأبو الحسن من قولهم : غفر اللّه له خطائئه . وحكى أبو زيد وغيره : دريئة " 1 " ودرائئّ . وروينا عن قطرب : لفيئة " 2 " ولفائئ . وأنشدوا : فإنّك لا تدرى متى الموت جائئ * إليك ولا ما يحدث اللّه في غد وفيما جاء من هذه الأحرف دليل على صحّة ما يقوله النحويون دون الخليل : من أن هذه الكلم غير مقلوبة ، وأنه قد كانت التقت فيها الهمزتان ، على ما ذهبوا إليه ، لا ما رآه هو . ومن شاذّ الهمز عندنا قراءة الكسائىّ ( أئمة ) بالتحقيق فيهما . فالهمزتان لا تلتقيان في كلمة واحدة إلا أن تكونا عينين ؛ نحو سئّال وسئّار ، ( وجئّار ) فأما التقاؤهما على التحقيق من كلمتين فضعيف عندنا ، وليس لحنا . وذلك نحو قرأ أبوك ، و السُّفَهاءُ أَلا [ البقرة : 13 ] و وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ [ الحج : 65 ] ، و أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ [ البقرة : 31 ] فهذا كله جائز عندنا على ضعفه ، لكن التقاؤهما في كلمة واحدة غير عينيين لحن ؛ إلا ما شذّ ممّا حكيناه من خطائئ وبابه ، وقد تقدّم . وأنشدني بعض من ينتمى إلى الفصاحة شعرا لنفسه مهموزا يقول فيه : أشأؤها وأدأؤها ، فنبّهته عليه ، فلم يكد يرجع عنه ( وهذا ) ممّا لو كان ( همزه أصلا ) لوجب تركه وإبداله ، فكيف أن يرتجل همزا لا أصل له ، ولا عذر في إبداله من حرف لين ولا غيره .

--> ( 1 ) دريئة : هي الحلقة التي يتعلم الرامي الطعن والرمي عليها . ( 2 ) لفيئة : هي القطعة من اللحم .